فصل: تفسير الآيات (19- 37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (13- 18):

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)}
يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا نُفخ في الصُّور نفخةٌ واحدةُ}، وهي النفخة الأولى، وتموت عندها الخلائق، والثانية يحيون عندها، {وحُمِلتِ الأرضُ والجبالُ} أي: قلعت ورفعت عن أماكنها، بمجرد القدرة الإلهية، أو بتوسُّط الزلزلة، أو الريح العاصفة، {فدُكَّتا دَكَّةً واحدةً} أي: دقّتا وكسرتا، أي: ضُرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيباً مهيلاً وهباءً منثوراً، {فيومئذٍ}، فحينئذ {وقعت الواقعةُ} أي: قامت القيامة بعدها، {وانشقتِ السماءُ} أي: فُتحت أبواباً لنزول الملائكة، {فهي} أي: السماء {يومئذٍ واهيةٌ}؛ ضعيفة مسترخية، كالصوف أو القطن، بعدها كانت مُحْكَمة {والمَلَكُ} أي: جنس المَلك، وهو بمعنى الجمع، فهو أعمّ من الملائكة، {على أرجائها}؛ جوانبها، جمع رَجاً، مقصور، أي: تنشق السماءِ، التي هي مسكنهم، فيلتجئون إلى أكنافها وأطرافها، {ويحملُ عرشَ ربك فوقهم} أي: فوق الملَك الذين هم على الأرجاء، {يومئذٍ ثمانيةٌ} من الملائكة، واليوم تحمله أربعة، وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة إمداداً لتلك الأربعة.
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة قوّاهم الله تعالى بأربعة أخرى»، وقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم أحدٌ عِدتهم. وقال ابن زيدٍ: هم ثمانية أملاك، على هيئة الوعول. الوَعِلَ: تيسُ الجبل، وقيل: على هيئة الناس، أرجلهم تحت الأرض السابعة، وكواهلهم فوق السماء السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون. وفي بعض الأخبار: أنَّ الأربعة التي تحمل العرش اليوم؛ أحدهم على صورة الإنسان، يطلب الرزق للأرض، والآخر على صورة الثور، يطلب الرزق للبهائم، والآخر على صورة النسر، يطلب الرزق للطيور، والآخر على صورة الأسد، يطلب الرزق للوحوش، وقيل: المراد بالآية: تمثيل لعظمة الله تعالى بما يُشاهَد من أحوال السلاطين، يوم خروجهم على الناس للقضاء العام، لكونها أقصى ما يتصور من العظمة والجلال، وإلاّ فشؤونه تعالى أجلَّ من كل ما يُحيط به فلك العبارة والإشارة.
{يومئذٍ تُعرضون} للسؤال والحساب، شبّه ذلك بعرض السلطان الجيشَ؛ ليعرف أحواله، رُوي «أن في القيامة ثلاث عَرْضَاتٍ، فأمّا عَرْضَتَان: فاعتذار واحتجاج، وأما الثالثة: ففيها تُنشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه، والهالك بشماله»، وهذا وإن كان بعد النفحة الثانية لكن لمّا كان اليوم اسماً لزمان متسع يقع فيه النفحتان، والصعقة والنشور والحساب، وإدخال أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، صحّ جعله ظرفاً للكل، وظاهر نظم الآية أنَّ نشر الموتى من القبور لا يكون إلاَّ بعد دك الأرض، وتسيير الجبال، فلا يقع النشر إلاّ على الأرض المستوية، لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً، وأمّا انشقاق السماء فمؤخّر، يكون والله أعلم والناس في الموقف على ما في بعض أخبار الآخرة.
ثم قال تعالى: {لا تخفى منكم خافيةٌ} أي: سريرةٌ ولا حالٌ كانت تخفى في الدنيا. والجملة: حال من ضمير {تُعرضون} أي: تُعرضون غير خافٍ عليه تعالى السرائر، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم بالياء؛ لأن تأنيثها مجازي.
الإشارة: فإذا نُفخ في صور القلب الغافل، الخالي من الحياة الأبدية، نفخة واحدة، من همّة شيخ كامل، إما بوارد شوق مُقلق، أو خوف مُزعج، وحُملت أرض بشريته، وجبال عقله، فدُكتا دكةً واحدة، فغاب حس البشرية وانخنس، وغاب نور العقل عند سطوع أنوار شمس العرفان، فيومئذ وقعت الواقعة، أي: ظهرت الحقيقة العيانية، وبدلت الأرض غير الأرض، والسموات، فصار الجميع نوراً ملكوتياً، أو سرًّا جبروتيًّا، وانشقت سماء الأرواح فظهرت أسرار المعاني خلف رداء الأواني، فهي أي: الأواني الحسية يومئذ واهية ضعيفة متلاشية، لا وجود لها من ذاتها، والمَلك، اي: الواردات الإلهية، والخواطر الملكية، على أرجائها: على أطراف سماء الأرواح، يُلهمها العلوم اللدنية، والأعمال الصافية، ويحمل عرش ربك، أي: عرش معرفة الرب، وهو القلب، فهو سرير سلطان المعرفة، ومحل التجليات الذاتية، ثمانية: الصبر، والشكر، والورع، والزهد، والتوكل، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، وهو عرش المعرفة، يومئذ تُعرض الخواطر على القلب، لا يخفى عليه منها شيء، فيقبل الحسَن، ويرفع القبيح. والله تعالى أعلم. وذكر في الحاشية الفاسية ما فوق العرش الحسي، وما تحت الأرض السفلى، فقال ما نصُّه: وفي حديث: «فوق السماء السابعة بحرٌ، بين أعلاه وأسفله، كما بين السماء والسماء، وفوفق ذلك ثمانية أَوْعَالٍ، بين أظلافهِنَّ ورُكبهنَّ ما بين سماءٍ إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى السماء، والله تبارك وتعالى فوق ذلك»، وفي حديث آخر: «عدد الأرضين سبع، بين كل واحدة والآخرى خمسمائة سنة، والذي نفس محمد بيده؛ لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله»، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3]. اهـ.
فتحصل من حديث سيد العارفين، وقدوة الواصلين، أنَّ الحق جلّ جلاله محيط بكل شيء، فأسرار ذاته العلية أحاطت بالوجود بأسره. فما فوق العرش هو عين ما تحت الثرى، فلو صعد أحد إلى ما فوق العرش لوجد الله، ولو هبط إلى ما تحت الأرض السفلى لوجد الله؛ إذ عظمته أحاطته بكل شيء، ومحت وجود كل شيء. واعلم أن الحق جلّ جلاله منفرد بالوجود، لا شيء معه، غير أنَّ عظمة الذات الخارجة عن دائرة قبضة التكوين باقية على أصلها من اللطافة والكنزية، والعظمةَ الداخلة في القبضة حين دخلها التكثيف، وتحسّست ليقع بها التجلِّي، استترت وتردّت برداء الكبرياء، فظهر فيها الضدان؛ العبودية والربوبية، والحس والمعنى، والقدرة والحكمة، فاستترت الربوبية برداء الكبرياء، فكان من اصطلاح الوحي التنزيلي أن يُخبر عن العظمة الأصلية وينعت أوصافها، ويسكت عن العظمة الفرعية، التي وقع بها التجلِّي، ستراً لسر الربوبية أن يظهر، إذ لو ظهر لفسد نظام عالم الحكمة، ولذلك قال سهل رضي الله عنه: للألوهية سر لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سر لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. اهـ.
فَسِرُّ الألوهية هو قيامها بالأشياء، وظهورها بها، بل لا وجود للأشياء معها، فلو انكشف هذا السر لجميع الناس لاستغنوا عن العبادة والعبودية، ولبطلت أحكام النبوة، إذ النبوة إنما هي لبيان العبادة وآداب العبودية، وعند ظهور هذا السر يقع الاستغناء عن تلقي الوحي. وأيضاً، ليست القلوب كلها تقدر على حمل هذا السر، فلو تجلّى للقلوب الضعيفة لوقع لها الدهش والحيرة، وربما أدّاها إلى التلف. وسر النبوات هو سدل الحجاب بين الله وعباده، حتى يفتقر الناس إلى تلقي العلم بواسطة النبوة، فلو انكشف هذا الحجاب لوقع الاستغناء عن النبوة، لتلقِّيه حينئذ كشفاً بدونها من غير تكلُّف، وسر العلم هو إبهام العواقب، فلو انكشف هذا السر وعرف كل واحد مآله للجنة أو النار؛ لبطلت الأحكام؛ إذ مَن عرف أنه للجنة قطعاً استغنى عن العبادة ومَن عرف أنه للنار قطعاً انهمك في المعاصي، فأخفى الله هذا السر ليعمل كل واحد على الرجاء والخوف. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (19- 37):

{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)}
يقول الحق جلّ جلاله: {فأمّا مَن أُوتي كتابه بيمينه فيقول} تبجُّحاً وابتهاجاً وسروراً، لِما يرى فيه من الخيرات خطاباً لجماعته: {هاؤُمُ}: اسم فعل، بمعنى خُذوا، وفيه لغات، أجودهن المطابقة تقول: هاء يا رجل، وهاءِ يا امرأة، بهمزة مكسورة من غير ياء، وهاؤما يا رجلان وامرأتان، وهاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نساء. {اقرؤوا كتابيَهْ}، والأصل: هاؤم كتابي اقرأوا كتابيهْ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، والعامل في {كتابيه} اقرأوا، عند البصريين؛ لأنهم يُعملون الأقرب، والهاء في {كتابيه}، و{حسابيه}، و{ماليه}، و{سلطانيه} للسكت، وحقها أن تثبت في الوقف، وتسقط في الوصل، وقد استُحبّ إيثار الوقف إيثاراً لثباتها؛ لثبوتها في المصحف. {إِني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيهْ} أي: علمت وتيقنت أني سألقى حسابي، ولعل التعبير بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية. قاله أبو السعود، وقد تقدّم سره في البقرة.
{فهو في عيشةٍ راضيةٍ} أي: ذات رضا يرضى بها صاحبها. جعل الفعل لها مجازاً، وهو لصاحبها؛ لكونها صافية من الشوائب، دائمة، مقرونة بالتعظيم، {في جنةٍ عاليةٍ}؛ مرتفعة المكان؛ لأنها في السماء السابعة، أو: رفيعة الدرجات، أو المباني والأشجار والقصور، وهو خبر بعد خبر، {قُطوفها دانيةُ}؛ ثمارها قريبة من مريدها، ينالها القاعد والمضطجع كالقائم. قال ابن عرفة: هذه الجملة احتراس؛ لأنه تعالى وصفها بالعلو، وشأن المكان العالي أن تكون ثماره كذلك، فأزال ذلك بأنها مع علو ثمارها قريبة التناول، سهلة المأخذ. اهـ. والقطوف جمع قطف، وهو ما يحثي بسرعة.
ويقال لهم: {كُلُوا واشربوا هنيئاً} أي: أكلاً وشُرباً هنيئاً، لا مكروه فيهما ولا أذىً، أو: هنئتم هنيئاً {بما أسلفتم} أي: بمقابلة ما قدّمتم من الأعمال الصالحة، {في الأيام الخاليةِ} أي: الماضية في الدنيا، وعن مجاهد: أيام الصيام وقال ابن عباس: هي في الصائمين، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى.
رُوي أن الله تعالى يقول: «يا أوليائي، طالما نظرتُ إليكم في الدنيا، وقد قلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية» ولا تقصر الآية على الصوم، بل كل ما أسلف الإنسانُ من الأعمال الصالحة داخل في الآية، بدليل قوله تعالى: {كُلُواْ واشربوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19 والمراسلات: 43].
وهذه الآية وأمثالها هزّت قلوب المجتهدين، حتى عمَّروا أوقاتهم، وحافظوا على أنفاسهم؛ لئلا تضيع، وكان عمر رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبُوا، فإنه أهون، أو أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزنوا وتجهّزوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. اهـ.
{وأمَّا مَن أُوتي كتابه بشِماله}، ورأى ما فيه من قبائح الأعمال، {فيقول يا ليتني لم أُوتَ كتابيهْ} أي: لم أُعطَ كتابي، {ولم أّدْرٍ ما حسابيهْ} أي: يا ليتني لم أعلم حسابي، ولم أقف عليه، لِمَا شاهد من سوء العاقبة، {يا ليتها}: يا ليت الموتة التي متُّها {كانت القاضيةَ} أي: القاطعة لأمري، ولم أُبعث بعدها، ولم ألقَ ما لقيت، فضمير {ليتها} للموتة، ويجوز أن يكون لِما شاهده من الحالة، أي: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قُضيت عليَّ؛ لأنه وجدها أَمَرّ من الموت، فتمناه عندها، وقد جوّز أن يكون للحياة الدنيا، أي: يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أُخْلَق حيًّا. {ما أغنى عن مالِيَهْ} أي: ما نفعني ما جمعتُ من الأموال شيئاً، ف {ما} نافية، أو استفهامية للإنكار، أي: أيُّ شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار؟ {هلك عني سلطانيهْ} أي: مُلكي وعزي، وتسلُّطي على الناس، وبقيتُ فقيراً ذليلاً، أو: حُجتي التي كنت أحتجّ بها في الدنيا.
فيقول الله تعالى لخزنة جهنّم: {خُذوه فغُلُّوه} أي: فشُدُّوه بالأغلال، بأن تجمع يده إلى عنقه، {ثم الجحيم صَلُّوه} أي: أدخلوه، أي: لا تصلّوه إلاّ للجحيم، وهي النار العظيمة؛ ليكون الجزاء على وفق المعصية، حيث كان يتعاظم على الناس، {ثم في سلسلة ذَرْعُها} أي: طُولها {سبعون ذراعاً} بذراع الملَك، وقيل: لا يعرف قدرها إلاّ الله، {فاسْلُكُوه} أي: فأدْخِلوه فيها، وقيل: تدخل من دبره وتخرج من منخريه، وقيل: تدخل من قُبله وتخرج من دبره.
{أِنه كان لا يُؤمن بالله العظيم}، تعليل لاستحقاق العذاب، ووصفه تعالى بالعظيم؛ للإيذان بأنه المستحق للعظمة وحده، فمَن نَسَبَها لنفسه استحقّ أعظم العقوبات، {ولا يَحُضُّ على طعام المسكين} أي: لا يحث على بذل طعام غيره، فضلاً عن أن يبذل ماله، وقيل: ذكر الحض للتنبيه على أنَّ تارك الحضّ إذا كان بهذه المنزلة، فما ظنك بتاركه؟ وفيه دلالة على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع، وأنَّ أقبح العقائد الكفر، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث، لأنَّ إطعام المساكين إنما يرجى جزاؤه يوم القيامة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، وفيه دليل على عِظم جُرم حرمان المساكين؛ لأنّه عطفه على الكفر، وجعله دليلاً عليه وقرينَه.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يحضّ امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، ويقول: خلَعْنا نصفَ السلسلة بالإيمان، فلنخلع نصفها بهذا، أي: الصدقة.
قال النسفي: وهذه الآية ناطقة بأنَّ المؤمنين يُرحمون جميعاً، والكافرون لا يُرحمون؛ لأنه تعالى قسّم الخلق صنفين، فجعل صنفاً منهم أهل اليمين، ووصفهم بالإيمان بقوله: {إني ظننتُ إني ملاقٍ حسابيه}، وصنفاً منهم أهل الشمال، ووصفهم بالكفر بقوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم.
..} إلخ، وجاز أنَّ الذي يُعاقَب من المؤمنين إنما يعاقَب قبل أن يؤتَى كتابه بيمينه. اهـ.
قال ابن عطية: والذين يُعطون كتابهم بأيْمانهم هم المخلَّدون في الجنة من أهل الإيمان، واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي، متى تأخذ كتبها؟ فقال بعضهم: الأظهر أنها تأخذها مع الناس، وذلك يُؤنسُها مدة العذاب، قال الحسن: فإذا أعطي كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن الله له، فإذا أَذِنَ له قال: {هاؤم اقرأوا كتابيه}، وقال آخرون: الأظهر أنها إذا خرجوا من النار، والإيمان يؤنسُهم وقت العذاب، قال: وهذا هو ظاهر الآية؛ لأنَّ مَن يسير إلى النار كيف يقول: {هاؤم اقرأوا كتابيه}. ثم قال: والمخلَّدون في النار من أهل الكفر هم الذين يُؤتون كتابهم بشمالهم، وقال في آية الانشقاق: مَن ينفذ فيه الوعيد من العصاة، يُعطى كتابه عند خروجه من النار، وقد جَوّز قومٌ أن يُعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآية ترد عليه. اهـ. يعني قوله: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 9].
قلت: والذي يظهر من الأحاديث التي في أخبار البعث: أنَّ الصحف تُنشر دفعة واحدة للطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه، فيُسرّ، فإن كان كاملاً فسُروره ظاهر، وإن كان عاصياً فرح أن مآله للجنة، ويجوز أن يُبهم الأمر عليه حينئذ، فيفرح لظنه النجاة، فإن مرَّ على الصراط زلّت قدمه لمكان معاصيه، فينفذ فيه الوعيد، ثم يخرج، وأمّا بعد خروجه من النار وحسابه حينئذٍ فبعيد جدًّا، لم يرد به نص.
قال الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه: عادته تعالى في التنزيل أن يذكر الكامل في الطاعة، والكامل في العصيان أي: الكفر ويسكت عن المخلط، فدلَّ على أنه يرى من هذا ويرى من هذا. اهـ. بالمعنى. فالذي يقول: {هاؤم اقرأوا كتابيه} هو الكامل، أو الذي حوسب وعُفي عنه، وأمّا العاصي الذي ينفذ فيه الوعيد، فلعله يسكت. والله تعالى أعلم، وسَتَرِد وتعلم.
ثم قال تعالى: {فليس له اليومَ هاهنا حميمٌ} أي: قريب يحميه ويدفع عنه؛ لأنَّ أولياءه الذين يتحامونه يفرُّون منه، {ولا طعامٌ إِلاَّ من غِسْلِينٍ} وهو غسالة أهل النار وصديدُهم، فِعْلِين، من الغَسْلِ، والنون زائدة، والمراد: ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. وقال ابن عزيز: غِسْلين: غسالة أجواف أهل النار، وكل جرح أو دبر غسلته، فخرج منه شيء، فهو غِسلين. اهـ. {لا يأكُله إِلاّ الخاطئون}؛ الكافرون، أصحاب الخطايا العظام. من خَطِئ الرجل: إذا تعمَّد الذنب. أو من الخطأ، المقابل للصواب، وهو هنا: مَن أخطأ طريقَ التوحيد، وعن ابن عباس: هم المشركون.
الإشارة: أهل اليمين مَن سبق لهم اليُمن في الأزل، وأهل الشمال مَن سبق لهم الشؤم كذلك.
وفي الحديث: «إن الله قبض قبضة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، ثم قبض أخرى، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي» أي: لا أُبالي بما يعملون. وقال القشيري: في إشارة الآية ما نصه: يشير إلى قوله عليه السلام في أثناء حديث طويل: «قبض قبضة، فإذا فيها آدم وبنوه، فمسح بيده اليُمنى الجمالية اللطيفة على ظهره الأيمن الجمالي، فأخرج منها ذراريه، كالقبضة البيضاء، باليد الجمالية أصحاب اليمين، ثم مسح بيده اليسى الجلالية القهرية، على ظهره الأيسر الجلالي، فأخرج منه ذريته كالحمصة السوداء، باليد الجلالية، أصحاب الشمال» أول ما في معناه. وقوله: {كتابيه} يُشير إلى الكتاب الاستعدادي، المكتوب في الأزل، على لوح جبين كل واحد، بما يعمل إلى الأبد. اهـ. فالكتاب الذي يُعطى يوم القيامة نسخة مما سُطِّر على لوح الجبين، الموافق للأزل، فحكمته قيام الحُجة في الظاهر، فمَنْ سبق له سهم العناية تبجّح به، ويقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، إني تحققت في الدنيا أني ملاقٍ حسابيهْ. وعبَّر بالظن ستراً لأهل الظنون والخواطر، وتوسعة عليهم، فهم في الدارين في عيشة راضية، في الدنيا في روح الرضا ونسيم التسليم وجنة العرفان، وفي الآخرة في مقعد صِدق في جوار الرحمن، في جنة عالية، رفيعة القدر حسًّا ومعنىً، قُطوفها دانية. أمّا جنة المعارف فقطوفها ما يتجتنى من ثمار العلوم، وفواكه الحِكم، وتزايد الفهوم، وأمّا في الآخرة فزيادة الترقي والكشف أبداً سرمداً، ويُقال لهم: كُلوا من قوت أرواحكم وأشباحكم، واشربوا من خمرة قلوبكم وأسراركم، من كأس المحبة، والاجتباء، هنيئاً لا كدر فيه ولا تعب، بما أسلفتم في أيام مجاهدتكم الماضية، ومَن سبق لهم سهم الشقاء يقول: يا ليته لم يكن شيئاً، ويتمنى بقاءه في حيز العدم، ثم يَلقى من أنواع العذاب الجسماني والروحاني، من البُعد والطرد ما ذكره الحق تعالى في بقية الآية، نعوذ بالله من سوء القضاء، ومن السلب بعد العطاء.